عشـاقـ...! ارتـريـا
عزيزي الزائر / عزيزتي الزائرة
يرجي التكرم بتسجبل الدخول اذا كنت عضو معنا
او التسجيل ان لم تكن عضو وترغب في الانضمام
الي اسرة المنتدي سنتشرف بتسجيلك
شكرا
ادارة المنتدي



 
الرئيسيةالبوابةاليوميةمكتبة الصورس .و .جبحـثالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 رحلتي الى ارتريا الحبيبة

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
د . محمد طه منصور



عدد المساهمات : 2
شكر : 0

مُساهمةموضوع: رحلتي الى ارتريا الحبيبة    الأربعاء أغسطس 29, 2012 12:05 pm

خوتي الاعزاء واخواتي الفضيلات اعضاءمنتدى عشاق ارتريا,الاخوة زوار المنتدى.... السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
منذ ان كنت في المرحلة الثانوية وانا شغوف بالشرق واهل الشرق , عندما كنت
اسكن بعيدا عن مدينة بورتسودان زرتها اكثر من اربعون مره ومنها زرت مدينة
سواكن التاريخية اكثر من ثمانية عشر مره ... عشقت مدينة كسلا وتعلقت بها
وسكنت احد احيائها واخيرا استقر بي المقام في الحي الجديد او ما يسمي الحين
حي المطار بمدينة بورتسودان ... وبعد ان دخلت الجامعة كبر اهتمامي بالشرق
وتوسعت افكاري فصار الشرق عندي شرقا اقصى ... فقد شمل اهتمامي شرق القارة
السمراء او ما يسمي بمنطقة القرن الافريقي .... زرت الصومال وجيبوتي
واثيوبيا الشاملة قبل الانفصال وزرت ارتيريا في اول رحلة لوفد سوداني مهنئا
بالاستقلال ونيل الحرية في 24/5/1991م ورسميا عندما اعلن استقلالها في
الامم المتحدة في24/5/1993م
كانت اول رحلة لي لأرتيريا ابان التحرير ونيل الاستقلال .... كتبت رحلتي في
شكل قصة وسوف انشرها لكم في شكل القصة نفسها ولكن في بوستات منفصلة حتى
يتسنى لمن لم يزر ارتيريا ويعرف روعتها ... ان يعرفها الآن ..... لكم عاطر
الود والتحايا ودمتم .


رحلتي الي ارتيريا الحبيبة


كنت صغيرا في السن عندما كانت والدتي تحدثني عن بلدة تسمى ارتيريا تقع في
شرق السودان , كنت وقتها في الثانية عشر من عمري ...استمع لكلمات امي جيدا
وهي تحكي لي الكثير والمثير عن ارتيريا ولشدة شغفي من حكايات امي كنت احضر
اطلس العالم وابدأ بالبحث عن ما يسمى بأرتيريا ولكنني لا اجدها فيصيبني
الاحباط الشديد , لكن ابحث عن كل مكان في خارطة افريقيا الشرقية فاجد
اثيوبيا والصومال وجيبوتي ولكن لا اعثر على مسمى ارتيريا ... الى ان تشير
والدتي على جزء يسير جدا في ظهر اثيوبيا ومقدمة السودان وتقول لي هذه هي
ارتيريا . علقت الكلمات في ذهني الى جاء يوم وزارنا في البيت مجموعة من
الرجال والنساء وهم يحملون الحلويات من مختلف الانواع وفجاءة سمعت انطلاق
زغرودة فرح من امي وبت اسمع بعدها كلمة مبروك مبروك التحرير ووقتها علمت ان
دولة اسمها ارتيريا قد برزت الى الوجود وقد تحررت من طغيان الاستعمار وكان
ذلك في مايو 1991م .
فجاءة وبدون مقدمات اخبرت والدتي انني انوي زيارة ارتيريا للبحث عن اهلى
وخالاتي واهل امي جميعهم ... وقد وافقت الوالدة عليها رحمة الله من دون اي
تردد .
تحركت من الخرطوم الي مدني ومنها الي مدينة القضارف القريبة من الحدود
الاثيوبية ثم منها الي مدينة كسلا الوريفة ... في كسلا تغير الوضع تماما
فقد رأيت العديد من المواطنين الارتيريين يسكنون مدينة كسلا وبدات اسالهم
عن كيفية الذهاب الي ارتيريا وكانت المفاجأة الاولي ان هنالك مواصلات برية
تربط اتيريا بكسلا .
تحركت من كسلا في تمام الساعة السادسة صباحا كانت الامطار تهطل بغزارة
والجو والارض تكتسي خضرة فتزداد جمالا تحركت بنا السارة في اتجاه الحدود
الارتيرية كانت المنطقة شبه صحراوية ولكن الجو معتدلا وظلت السيارة تسير
بنا حتى ظهرت الى ناظرينا الحدود الارتيرية السودانية حيث وصلنا منطقة تسمى
اللفة عند نقطة تسمى نقطة 14 ومنها تحركنا حتي وصلنا مدينة تسني التي تبعد
تقريبا حوالى 28 كيلو متر من اللفة واكثر ما لفت نظري في مدينة تسني تلك
المباني القديمة والتي عليها آثار القصف المدفعي من مخلفات الحرب الارتيرية
الاثيوبية او هكذا تخيلتها ... كانت مدينة تسني منذ القدم تشتهر عند اهلنا
السودانيين بانها المدينة التي يقضي بها معظم المتزوجين حديثا من اهلنا في
السودان بل وكانت اغاني البنات في السودان تردد بعض الاغنيات التي تفيد
انه لا محاله من قضاء شهر العسل في مدينة تسني الرائعة واذكر منها اغنية
تقول دو دو بي اللوري دو دو بي وشهر العسل تسني او شيء من هذا القبيل ..
مدينة تسني مدينة تاريخية قديمة تتسم بالبساطة وبها العديد من الفنادق
القديمة وهى مدينة تحمل الطابع السوداني حتى ليخال المرء نفسه منذ الوهلة
الاولي انه مازال يعيش داخل الاجواء السودانية .
تحركنا من مدينة تسني في نفسي الاتجاه وبعد مسرة حوالى 60 كيلو مترا وصلنا
لمينة اخرى تسمي ( هيكوتا ) وهنا لفت نظري وجود نصب تذكاري بالمدينة لمناضل
ارتيري عظيم يسمى (حامد عواتي) وحسب المعلومات التي استقيتها من اهل
المدينة فان المناضل حامد عواتي يعد مؤسس ومفجر الثورة الارتيرية ... وبما
ان المساء كان قد حل وارخى الليل سدوله علينا فقد اقترح السائق ان نمضي
ليلتنا في احد فنادق هيكوتا ولكننا لم نجد فذهبنا حيث نمنا مع احد
المواطنين من مدينة هيكوتا والذي كنت اظن انه سوداني لولا انني علمت منه
بانه مواطن ارتيري وذلك في اثناء تبادلنا للحديث .
امضينا الليل هناك وتحركنا صباحا وقبل شروق الشمس في اتجاه مدينة (بارنتو)
التي تبعد حوالي 130 كيلو متر من مدينة تسني حيث دخلناها ظهرا وتناولنا
وجبة غداء مميزة تتكون من خبز الانجرا طيف وطبخة الذغني المليئة بالفلفل
الحار جدا وعليها قطع لحم تسمي درهو مع بعض البيض المسلوق بالماء كانت تلك
اول مره في حياتي اتذوق فيها طعام الذغني بالبربري الحارة جدا جدا ولكنه
والحق يقال كان من الذ الاطعمة التي تناولتها في حياتي
بعدها جلسنا جميعنا حول امرأة تصنع القهوة الارتيرية وبالطبع كانت هنالك
طقوس عجيبة جدا جدا لم ارها مطلقا في حياتي .. بدأت هذه المرأة بقلي البن
وتحميصه على نار من الفحم هادئة جدا واثناء التحميص كانت المرأة تمكننا من
ان نشم رائحة الدخان المتصاعد من القلي ثم طحنت البن ووضعته لكي يغلي لمدة
طويلة خلتها اكثر من ساعة بعدها تناولنا البن في فناجين، كانت قهوة قوية
جدا والله اصابتني بدوخة وانا اشربها لأول مره ... نعم والدتي كانت تصنع
لنا القهوة ولكنها كانت تصنعها بالطريقة السودانية وهى خفيفة جدا اذا ما
قارنتها مع القهوة الارتيرية الشديدة السواد .
كانت ملاحظتي بعد ان تناولنا الفنجان الاول ان كل من شرب القهوة كان يردد
كلمة غريبة جدا بالطبع عرفتها فيما بعد وهي كلمة ( طعم بن ) وكانت المرأة
تردد كلمة (طعم يهبكه) بالتأكيد فيما بعد وبعد ان صارت صلتي وثيقة جدا
بارتيريا فهمت كل هذه المعاني عن ظهر قلب ولكننها قلتها لكم اليوم كتجربة
كانت جديدة في وقتها .
بعد ان تناولنا القهوة وسط غابات من البخور العدني وبعض العنبابا ( الذرة
الشامية ) تحركنا في طريقنا في اتجاه مدينة (كعلاي) التي تنتشر فيها اشجار
الدوم بصورة مكثفة ومنها تحركنا صوب (اغردات) حيث وصلناها عصرا بعد ان
قطعنا مسافة 69 كيلو متر عبر طريق مليء بالمرتفعات والمنحدرات المدهشة كانت
السيارة تقطع بنا الطريق الذي يضيق كثيرا وينحدر اكثر ثم يرتفع احيانا
كأننا ندور حول انفسنا وكانت الخضرة الخلابة تغطي سفوح الجبال فتكسبها رونق
والقا والسحب البيضاء تنتشر في كل مكان كأنها عروس في يوم زفافها وهي تكاد
تلامس ايدينا وتكسبنا بعض من بخار الماء
العالق بها، كان البرد يشتد علينا كلما اتجهنا صوب الداخل فكنا نفرك ايدينا
ببعضها البعض حتي يذهب البرد عنا ولكنه لا يفعل ...حاولنا معالجة الوضع
بالتدخين واحيانا بشرب الشاي الاحمر الساخن عله يكسبنا الدفء من زمهرير
الشتاء الذي لم يكن في فصل الشتاء , كانت الازهار تنتشر كالأطفال في صباح
العيد فتكسو الجبال جمالا فوق جمالها ...مضت لحظات وانا لا اتخيل نفسي في
بلد افريقي لا يكاد يذكر اسمه بين الدول في تلك الايام ...تخيلت نفسي في
العاصمة الهولندية امستردام ومضي بي الخيال فسرحت بعيدا حتي قطع تفكيري
صيحة السائق باننا على مشارف مدينة (اغردات) التي جلسنا فيها للحظات قليلة
واعلن السائق بانه سيواصل الرحلة دون الجلوس كثيرا في (اغردات) وكان ذلك
عكس رغبتي فقد شدتني مدينة اغردات اليها وكنت اود ان اقضي فيها يوما كاملا
بين المناظر الخلابة والسفوح الجبلية ذات الخضرة التي كنت اعتقد انها
مستديمة ولكن ليس كل ما يتمناه المرء يدركه وماهي الا ساعات قليلات حتي
اعلن السائق وصولنا لمدينة صغيرة تسمى (عدردي) واظن ان هذه المدينة كانت
آخر مدن اقليم القاش بركة الذي كنت اقراه على لوحات اصابها الصدأ واكل
الدهر عليها وشرب .دخلنا بعدها الى اقليم آخر يسمي اقليم (عنسبا) وهنا
عاجلت سائقنا بسؤال عن معني عنسبا فقال لي ان الكلمة تم تحويرها من كلمة
عين سبأ في اشارة الى مملكة سبأ التي تقع في الجمهورية العربية اليمنية حيث
تمت الاشارة الي الهجرات العربية القديمة التي تمت من العرب اليمنيين ابان
مملكة سبا واقامتهم لسنوات طويلة في هذا الاقليم الذي اكتسب اسمه منهم وتم
تحويره الي عنسبا فيما بعد .
اقليم عنسبا هو احدي اقاليم دولة ارتيريا الستة حيث تنقسم دوله ارتيريا الجميلة الي ستة اقاليم ادارية هي
اقليم (القاش) بركة وعاصمته (بارنتو)
اقليم (عنسبا) وعاصمته (كرن)
الاقليم الاوسط وعاصمته (اسمرا)
الاقليم الجنوبي وعاصمته (مندفرا)
اقليم شمال البحر الاحمر وعاصمته (مصوع)
اقليم جنوب البحر الاحمر وعاصمته (عصب)
مررنا ببعض المدن على ما اذكر منها مدينة تسمى (سنعفي) وهي اشارة واضحة الي
مدينة صنعاء عاصمة اليمن بالمدينة العديد من الآثار القديمة التي قيل انها
بقايا آُثار مملكة سبأ اليمنية مررنا بعد ذلك بمدينة تسمى مدينة (حقاز)
وماهي الا لحظات حتي اطلت مدينة كرن البهية ... كنت متشوق منذ بداية رحلتي
لمدينة كرن فهي بلا شك تلك المدينة التي حدثتني عنها والدتي كثيرا ...كانت
والدتي رحمة الله عليها من قومية البلين وهي احدى تسع قوميات متواجدة منذ
القدم وتتكون منها دولة ارتيريا

وسوف احاول بقدر المستطاع ان اذكر كل القوميات الارتيرية وارجو ان يحالفني الحظ ولا اكون مخطئا في ذكرها :
قومية البلين وهذه متأكد منها بالطبع لأنها قومية والدتي
قومية الحدارب
قومية الساهو
قومية التجري
قومية التجرينة
قومية الكناما
قومية النارا
قومية الرشايدة
قومية العفر
دخلنا مدينة كرن الرائعة ومنذ الوهلة الاولي احسست بانني في السودان ...
نفس الملامح والشبه نفس اشكال الناس ونفس سحناتهم وحتى قوائم الطعام كانت
تتشابه فقد وجدنا الزقني والطبس والسلات والفول والملوخية والبامية
والفاصوليا والويكة . دخلت مدينة كرن لأول مره ولم احس بانني غريب ..فالناس
فيها طيبون بسطاء ومهذبون الشعب الارتيري تقريبا كله شعب مهذب يعرف آداب
المائدة والطعام وآداب التعامل في ابسط صوره شعب كريم صبور ودود ولوف يكاد
الانسان يحسب انه شعب الله المختار .
منذ الوهلة الاولى سحرتني مدينة كرن واخذن بشغاف قلبي اول ما لفت انتباهي
فيها انها مدينة تكتسى اللون الابيض في معظم مبانيها وللمعلومية فان اللون
الابيض عنوان للجمال ونقاء النفس والروح
اول ما شدني في مدينة كرن مسجدها الكبير العتيق وتلك الكاتدرائية والتي اظنها قد بنيت في عهد الاستعمار الايطالي ...

كرن مدينة انيقة بكل ما تحملها الكلمة من معني بيوتها ورقم بساطتها الا
انها تذكرك بحب اهلها للجمال ..فهي مدينة نظيفة جدا واجمل من كلمة جميلة
تنتشر حولها الهضاب والروابي والجبال ذات المدرجات وتحيطها من جميع الجهات
فتكسوها جمالا فوق جمالها ... في مدينة كرن لا تشعر بانك غريب فالناس فيها
بسطاء ووليفون جدا يقابلونك بترحاب ما بعده ترحاب ومن غرائب الامور فيها
التسامح الديني في هذه المدينة فقد تجد في الاسرة الواحدة والمنزل الواحد
عائلة تتكون من افراد مسلمون
وافراد مسيحيون وهم يعيشون جنبا الي جنب بكل محبة ووئام حتي لتكأد تشك في انهم يمثلون هذا المشهد امامك ولكنها تلك هي الحقيقة.
كانت الساعة قرابة الواحدة ظهرا دخلنا احد المطاعم المتوسطة وتناولنا طعام
الغداء وكان نوع من اللحم المشوي على المقلاة يقال له الكابريتو بجانب
اناء آخر به قليل من طبيخ الخضروات الطازجة ..اكلنا حتى شبعنا وتناولنا كوب
من الشاي الاحمر المخلوط بالهيل وتوجهنا نحو طريق كأننا نصعد الجبل كنا
نصعد بسيارتنا هذه القمة الشاهقة والجو يزداد برودة والضباب يكسونا من جميع
الجهات كنا في كل مره نصعد هذه القمم الشاهقة ولا احد فينا يجرؤ على النظر
في هذا الوادي السحيق الذي يمتد تحتنا بطول الطريق واستمرينا بالصعود
واللف والدوران كأننا نسير في طريق كانه قد سلكه من قبلنا ثعبان وصعدنا
..وصعدنا حتى تقطعت انفاسنا وتملكنا الخوف الشديد وماهي الا لحظات حتى
وصلنا لمنطقة اخري تسمى (عيلا برعت) ... في هذه المنطقة اختفى التراب من
جميع المناطق ... لا نكاد نرى التراب الا بقايا منه اسفل منطقة سير سيارتنا
كانت المنطقة تكتسى بالخضرة والزهور من جميع الجهات انه منظر أخاذ يأخذ
بالألباب والله خلتها جنة الله في ارضه في هذه المدينة انشرح صدري وتملكتني
سعادة غامرة وسالت نفسي هل نحن في ارتيريا؟ تلك البلد التي لا يكاد يذكرها
الاعلام الا وذكر اسوا الاشياء فيها؟ تنفست نفسا عميق مليئا بالهواء
النظيف النقي وانا اردد في دواخلي يا ربي لو قدر لي ان اعيش بقية حياتي
فسخرني لكي اعيشها في هذا الجمال الأخاذ
من هذه المنطقة بدانا رحلة الانحدار من المرتفعات الشاهقة التي كنا نرى
فيها السحب البيضاء تسير اسفل منا ونحن نسير فوقها وبعد حوالي مسيرة ساعة
ونصف الساعة تقريبا تراءت لنا مدينة اسمرا الجميلة منذ الوهلة الاولي التي
دخلت فيها اسمرا كاد ان يقتلني جمالها لم اكن اصدق انني في مدينة افريقية
ولعل كل من لم يقم بزيارة اسمرا لن يصدقني مطلقا ... يا لجمال هذه المدينة
الأخاذ اكرر لكم انني اقسم بالله باني لم اصدق ولمدة يومين كاملين انني في
عاصمة دولة افريقية وبالتحديد في عاصمة ارتيريا التي يصفها الاستعمار وصفا
لا يناسبها ولا يتطابق مع ما رايته بأم عيني ولم يصفه لي احد على الاطلاق .

اسمرا الجميلة بلد الحب والجمال ... اول سؤال خطر على بالي هو معنى كلمة
اسمرا .. هل يا ترى هذا الاسم عائد لسمار بشرة معظم سكانها ام ماذا؟ فان
كان الامر كذلك فلماذا لم تسمى الخرطوم باسمرا ؟ فسكانها اكثر سمارا من
سكان اسمرا نفسها
كنا قد نزلنا بفندق يسمى (نيالا) هوتيل ومن غرائب الصدف ان اسم نيالا هذا
يتطابق مع اسم مدينة في غرب السودان وهي مدينة نيالا عاصمة جنوب دارفور ..
نزلت في جناح كامل في الفندق بها غرفة ومجلس وحمام وبلكونة هل تصدقوا ان كل
هذا الجناح كان بمبلغ زهيد جدا لمبيت ليلة واحده فهو لا يكاد يتعدى مبلغ
اربعون ريالا سعوديا يا سبحان الله ما رخص الاسعار في درة المدن العربية
والافريقية بل والعالمية على الاطلاق.
بعد ساعتين تجمعنا في مطعم الفندق كان عمال الفندق اناس طيبون جدا وكان
معظم موظفي الفندق من النساء تقريبا كانوا يستقبلوننا بكلمة باللغة
التقرينية لا اذكرها هل هي كمي وعيلكم ام كمي حدركم فقد كانت كل من هذه
الكلمات تصادف
اما صباح الخير او مساء الخير ...اقترب مني مدير الفندق وسألني هل انت من
السودان؟ فقلت له لا فقال لي هل انت ارتيري فقلت له ايضا لا فقال لي اذن من
اي مكان انت؟ فأجبته بانني سوداني الاب وارتيري الام فرحب بي ترحيبا بالغا
فوق ترحيبه الاول وعلى الفور سالته عن معنى كلمة اسمرا
كان محدثي مسيحيا من قومية التجرينة اجابني فورا بان اسمرا باللغة
التجرينية تعني الغابة المزهرة نسبة لجمالها ونضارتها وكثرة الخضرة
والازهار فيها يا سلام ما احلاكي يا سمرة الجميلة ... كان جدي قديما يحدثنا
عن جمال كينيا وجمال عاصمتها نيروبي وانا بدوري كنت قد ذرت معظم المدن
الاوربية ولكنني استطيع ان احلف صادقا انني ما رايت مدينة جميلة ونظيفة
وراقية ومتحضرة تضاهي مدينة اسمرا انها جنة الله في ارضه على الاطلاق.
تناولت طعامي وخرجت في جولة على الارجل حول المدينة اتجهت غربا فصادفني
مطعم يسمى مصوع فاست فود تمتلكه اخت ارتيرية سودانية المنشأ وهو على درجة
من النظافة والجمال لا تكاد تخال انه ايضا في بلد أفريقي بعده ذهبت الى
الامام فصادفني فندق ابيض جميل بل انه في غاية الجمال يسمى سافانا هوتيل .
رجعت فاتجهت جنوبا و رأيت منظر عبارة عن مبني كبيرا يسمي بناية نقفة في
اشارة الى منطقة نقفة الشهيرة والتي كانت سببا في ان تتم تسمية العملة
الوطنية للدولة باسمها .
كان المطر ينزل بغزارة وانا اتجه شمالا صوب المدينة على جانبي الشمال كنت
اري العديد من دور السينما علي ما اذكر سينما (اودين) وسينما (كابيتال)
(ودانتي) والعديد من دور السينما التي تقع علي جانب الشارع الشمالي
بالإضافة الى مبني مكتوب علية وزارة التجارة والصناعة او شيء من هذا القبيل
.. المفاجأة على جانب يدي الشمال وانا اسير صوب المدينة حديقة كبيرة جدا
جدا تمتد بطول الطريق وبها العديد من الزهور ولكن كانت المفاجأة في نوع
اشجار النخيل التي بداخلها هذا النوع من الاشجار ذات السعف الحاد كان اول
مره اراه في حياتي فهو اشبه بالأشجار الاستوائية ولكنه ينمو في بيئة معدلة
جدا جدا .. تقدمت امامي حتى وصلت مرتفع عالي كبير علي شكل تلة كتب علية
كلمة (ستى سنتر) ... جلست فيه لبعض الوقت والمطر ينهمر علي وانا في غاية
السعادة تناولت كوبا من الكباتشينو ونظرت على جانبي الايمن فرأيت منظر
لمبني من طابقين يسمي وزارة الخارجية . احسست ببعض الدفء وانا اتناول كوبا
آخر من الكباتشنو قبل ان ابارح مكاني متجها صوب المدينة .
كانت بداية الطريق الشارع الرئيسي الذي يسمى (كمشتاتو) اي شارع الحرية يا
الهي هذا الشارع تحفة من الفن والابداع والجمال ... الطريق كلها مرصوفة
بالبلاط المربعات لا تكاد ترى اثرا به لأي نوع من انواع التراب ..اشجار
النخيل تقف شامخة على جانبية وفي الوسط ...

في الجانب الشمالي من الشارع تجد وزارة التعليم وهيئة الاتصالات والبريد
الارتيرية وبعض المحالات التي تبيع المصنوعات الجلدية من الصناعة الارتيرية
الفاخرة مثل السوتيرات والاحذية وفي الجانب بعض المقاهي .
في الجانب الشمالي يشد انتباهك منظر بديع ومهيب جدا وهو منظر الكتدرائية
العريق المبنى من الاحجار ذات اللون الاسود والبنى الذي تتوسطه بعض الخطوط
البيضاء
حقيقة هذا الشارع كمشتاتو او شارع الحرية هو اجمل شارع شهدته اعيني في
افريقيا والعالم العربي من المحيط الى الخليج .. كنت اري على جانب الشارع
الشمالي محلات بيع الملابس الجاهزة ومطعم حماسين الذي احمل منه الذكريات
الجميلة والعديد من المقاهي مثل مقهى اسمرا سويت كافي وبار امريكا وبار تكو
وفندق كرستيال هوتيل ومقهي آخر ليس له اسم وانما كتب عليه كلمة باستري
واظنها كلمة انجليزية معناها حلويات او فطائر تناولت بأحد هذه المقاهي حيث
جلست في مكان في ممر الشارع ولكنه مخصص للمقهى ... تناولت كباتشينو بالحليب
المخفوق مع قطع من الفطائر الدائرية ذات الون الذهبي هي اشبه ما تكون
بالدونات ولكن في تلك المقاهي يقال لها (زيتي) اعتقد لأنها مقلية بالزيت
فقط وليس بها طبقة من الشوكولاته المطلية بحبيبات السكر المجروش . بعدها
توجهت الي الامام حتي وصلت ميدان الحرية ومنطقة يقال لها مسكرم اعتقد ان
الكلمة لها علاقة بأعياد اخواننا المسيحيين واعتقد انها اول السنة الجئزية
اول شيء من هذا القبيل بعدها توجهت لمكان صرف العملات الاجنبية الذي يقع في
نفس الساحة ويقال له هيمبول .صرفت فيه ما تيسر من الدولارات وغفلت راجعا،
وفي هذه المرة وعلي يدي اليمني رأيت وكان اجمل ما رأيت .... رأيت مسجد
الخلفاء الراشدين ... هذا المسجد التاريخي الجميل الانيق الذي يمثل تحفه
فنية رائعة ومعلم بارز من معالم ارتيريا الدولة الاجمل على الاطلاق بكامل
التراب الافريقي.
عدت في المساء الى الفندق حيث تناولت طعام العشاء كنت اقصد ان انوع في
الوجبات في كل مره فطلبت هذه المرة نوع من الانجرا داكن اللون مائل الى
السواد يقال له انجرا طاف مع طبيخ من اللحم المقدد المنشف المهروس كنت اذكر
اسمه لوقت قريب ولكن يبدو انني قد نسيته .. بالإضافة الي وجبة اخري مصاحبة
هي اشبه بالخبز المقطع مع الثريد نطلق عليها في السودان اسم الفتة وهنا
اعتقد يقال لها القجة ..تناولت
معها زجاجة بيضاء اللون يقال لها ماي غاز وهي مياه معدنية قوية جدا جدا لم
اتمكن من اكمالها ولكنني تعاطيت منها القليل وذهبت الي مكان نومي .
في الصباح الباكر وجدت صاحب تاكسي يقف امام الفندق فاتفقت معه ان يكون معي
لمدة اربعة ايام كاملة بمبلغ اربعة ألاف نقفة حيث بدأت رحلتي بزيارة احياء
ارتيريا فزرت اولا حي (قزمندا) طليان حيث مبنى السفارة السودانية ثم بعدها
الى منطقة (سمبل) (وكوريا) وبيت امريكا (وماي جهوت) (وقزمندا حبشا)
(ومايتمناي) حيث الاستاذ الرياضي الوحيد في المدينة ومصنع البيبسي كولا
المتوقف عن العمل .وكذألك (دارجرمن) (وبارجما)
(واباشول) ومناطق جديدة حول العاصمة اسمرا لم يكن بها عمران يذكر في ذلك الزمان وتسمى (عدي ابيتو) (وعدي سقدو)
ومن ثم ذهبنا الي معقل المسلمين بمختلف طوائفهم منطقة (آخرية) ... شدتني
كثيرا هذه المنطقة بحكم انني مسلم ومعظم سكانها مسلمون هذه المنطقة شعرت
فيها بالراحة والطمأنينة والامان لكثرة مساجدها وطيبة اهلها وكرمهم وحسن
ضيافتهم وفي الحقيقة يجب ان لا يفوتني ان اشير الى قول هام جدا جدا وهو
انني احسست بقدر عالي من الامن والامان في كامل التراب الارتيري ابتدأء من
اللفة وتسني حتي اخر مزاراتي العاصمة اسمرا ... اقسم بالله العلي العظيم ان
مقدار الامان والامن اللذان احسست بهما في ارتيريا لم احسهما في اي دولة
افريقية او عربية او اوربية زرتها ولكي اكون اكثر انصافا لم احسهما حتي في
بلد ابي الخرطوم . هذه شهادة لابد ان اقولها للتاريخ .
بعد جولتي في مدينة اسمرا طلبت من السائق والذي صار فيما بعد صديقي العزيز
واسمه (اماري) او امارا وهو مسيحي ذو خلق وطيب وكرم لم اشهدهما في غيره
طيلة رحلتي الى ارتيريا . نعم طلبت من صديقي اماري ان يأخذني الى مزحفتي
وهو متحف التاريخ الارتيري ..وقبل ان اتحدث عن المتحف وما رايته فيه لابد
لي من الاشارة باستغراب الى مدينة اسمرا فاني قد وجدتها برغم الحروب التي
خاضتها الدولة الوليدة من اجل الاستعمار.. وجدتها خالية من اي اثار للدمار
والهدم كما رأيت في مدينة مصوع ويا سبحان الله فان درة المدن روما افريقيا
قد نجت من كل هذه الحروب ولم يصبها اي سوء او خراب ...لله درك يا عروس
المدن واجملها على الاطلاق .

اعود وارجع لزيارتي للمتحف الوطني مزحفتي ..فأقول انني رأيت العجب العجاب
.. هذا الشعب البسيط الصغير والذي قد عاش جل وقته مظلوما ومشردا يقاسي من
ويلات الاستعمار ... هذا الشعب يمتلك ارثا ثقافيا كبيرا وتاريخا وحضارة
موغلة في القدم .. نعم انا رأيت التاريخ بأم عيني وعرفت عظمة ارتيريا وعظمة
رجال ونساء ارتيريا .
اوشكت رحلتي لمدينة اسمرا على نهايتها واشعر انني لم اقل كل ما عندي ولكنني اذكر انني في ختام الزيارة طلبت من سائقي ثلاثة طلبات :
الطلب الاول هو ان يعلمني بعض الكلمات من كلام الشارع الارتيري فعلمني
كلمات مثل كمي وعلكم وكمي حدركم وكمي امسيخكم وسوبوق و الحمد لله انا سقيبي
وانا نفقكم والعديد من الكلمات التي بدأت انساها من مضي الزمن وعدم
الممارسة اما لغة البلين و الساهو فقد كانت بالنسبة لي في منتهي الصعوبة
ونسيتها فورا واسهل لغة اقرب الى اللغة العربية هي لغة التقري التي نسيت
مفرداتها ايضا
الطلب الثاني هو ان ياخذني لزيارة مخلفات الحرب الارتيرية الاثيوبية فكان
ان رأيت عظمة هذا الشعب وصموده حتى نيله الحرية في تسعينيات القرن الماضي
والله ادهشتني تلك الكميات الكبيرة من مخلفات السلاح والعتاد الحربي ....
ملحوظة فقد لفت نظري
في ارتيريا كثرة المعاقين جسديا من جراء الحرب اللعينة وانا حقيقي في قرارة
نفسي لا اقول عنهم معاقين بل انهم ابطال يستحقون التكريم من الدولة
والمواطنين .
الطلب الثالث من سائقي هو ان يأخذني لأقرب محل من محلات الكاسيت حيث طلبت
العديد من اشرطة الكاسيت للعديد من الفنانين اذكر منهم على سبيل المثال
الذين احببتهم وهم هيلين ملس وهيلين باولس والسا كيداني وود تكابة بغنيته
الشهيره قيرمنالو وحقوص وابرهام افورقي وزينب وامنة وفاطمة من القاش بركة
وكذلك الفنان الاصيل الجميل ود الشيخ ... كما انني اشتريت العديد من
المزامير المسيحية لبعض الفنانين او المؤدين وكان ذلك للذكري فقط وليس اكثر
من ذلك .
في ختام زيارتي لاسمرا احببت ان اقول

من لم يزور ارتيريا وفي ارتيريا من لم يزور اسمرا فقد اضاع حياته سدى .. ان
كان لله جنة في الارض فان ارتيريا جنة الله في ارضه ... بلد فيها الحب
والجمال والامن والامانة والاحساس بالقرب الروحي والنفسي وحقيقة ان كانت لي
امنية واحدة في حياتي فانا اتمنى ان اقضي ما تبقى منها في ارتيريا الحبيبة
الى قلبي وروحي وعقلي ويا جماعة والله العظيم اكرر مره اخرى من لم يزور
الكنز المدفون ارتيريا ومن لم يزور ارتيريا اسمرا وهذا تكرار مني ....
صدقوني ليس من رأى كمن سمع وانا قد رأيت والحمد لله فهل من مجرب؟ اتمنى
ذلك.
اخوتي هذا والله قليل من كثير جدا عن الحبيبة ارتيريا وعن معشوقتي اسمرا .
اقول لكم وداعا ووداعا ولى موعد معكم لكي احدثكم عن رحلتي الي مصوع وعصب
وحرقيقو مرورا بالمدينة الساحرة قنداع حيث اكلنا الكابريتو على اصوله حقا
قنداع مدينة السحر والجمال المهملة ... الى اللقاء احبتي .
اخوكم محمد طه منصور
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
رحلتي الى ارتريا الحبيبة
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
عشـاقـ...! ارتـريـا :: فسم الادب والشعر :: منتدى القصص والروايات-
انتقل الى: